Skip Navigation Links

  

  

حرصاً منا في المكتب التنفيذي لملتقى الرقي والتقدم وكمشاركة وطنية قررنا إبداء رأينا في التعديلات الدستورية، حيث وجدنا من الضروري بمكان أن نعيد قراءة الدستور قراءة نقدية متعمقة في الدستور ذاته، حتى يتسنى لنا إبداء رأياً وجيهاً في هذه التعديلات


ملاحظات منهجية حول دستور الجمهورية اليمنية وتعديلاته

حرصاً منا في المكتب التنفيذي لملتقى الرقي والتقدم وكمشاركة وطنية قررنا إبداء رأينا في التعديلات الدستورية، حيث وجدنا من الضروري بمكان أن نعيد قراءة الدستور قراءة نقدية متعمقة في الدستور ذاته، حتى يتسنى لنا إبداء رأياً وجيهاً في هذه التعديلات.

وهذه القراءة النقدية المتعمقة قادتنا إلى أمر آخر تماماً، حيث وجدنا أن دستورنا القائم يعاني من إشكاليات منهجية حقيقية تجعله غير قادراً على القيام بدوره المنوط به من حيث كونه "عقداً اجتماعياً"، ينظم العلاقات بكافة أشكالها بين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع والدولة وسلطاتها التنفيذية، والتشريعية، والقانونية، ومنهجية هذه الإشكاليات تتعلق بجوهر الدستور الذي يحدد هوية الدولة، ومنطلقاته وشروط صياغته وطبيعته من حيث كونه قانون القوانين وليس قانوناً ظرفياً قابل للتعديل المتكرر وفقاً لهذه الظروف أو تلك، الأمر الذي يجعله ذو طبيعة ثابتة نسبياً أو ثباتاً مرناً غير قابل للتعديل المتكرر كل بضع سنين.

وعلى هذا الأساس رأينا أن نستعرض أهم الإشكاليات المنهجية التي يعاني منها دستورنا القائم.

أولاً: هوية الدولة اليمنية:

إن دستورنا القائم يعاني من ازدواجية في تحديد هوية الدولة من حيث كونها دولة دينية ودولة مدنية في آن واحد، وما يثبت ما ذهبنا إليه يكفي أن نتناول ثلاث مواد كافية للإقرار بأننا أمام دولة دينية، وهذه المواد هي:

- مادة (1) التي تنص على أن "الجمهورية اليمنية دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة... إلى آخر المادة".

- مادة (3) التي تنص على أن "الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات".

- مادة (64) والتي تنص على اشتراطات المرشح لعضوية مجلس النواب في النقطة (د) "أن يكون مستقيم الخلق والسلوك مؤدياً للفرائض الدينية...الخ".

لعل هذه المواد المفتاحية مع كثير من المواد الأخرى، تكفي للقول بأننا أمام دولة دينية من حيث الهوية.. وهذا الأمر لا يلغي رؤية المواد العديدة التي تشير إلى أننا دولة مدنية وديمقراطية أهمها المادة (4) التي تنص على أن "الشعب مالك السلطة ومصدرها.. الخ".

إن هذه النصوص كافية للقول بأننا أمام دولة مزدوجة الهوية بين الدينية والمدنية وهي بتوصيف أكثر دقة إننا أمام دولة دينية من حيث الجوهر، ومدنية من حيث الشكل، وهي بكلمات أخرى دينية من حيث النصوص، ومدنية من حيث الممارسة، الأمر الذي يجعلنا أمام إشكالية هوية الدولة شديدة الالتباس بين الدينية والمدنية.

وحتى نوضح ما ذهبنا إليه لابد من التأكيد على أن المادة (1) حددت هوية دولتنا وفق العرق والدين قبل الاستقلال، مع أن دساتير الدول تحدد هوية الدولة وفق نظامها السياسي. جمهوري، ملكي، وراثي، ديمقراطي، فيدرالي، وليس وفق العرق والدين، أي أن النظام السياسي هو الذي يحدد هوية الدولة لأن الدولة مهما اختلفت أشكالها فهي كيان سياسي يدير وينظم حياة الناس وفق الدستور والقوانين.

أما المادة (3) التي تؤكد بكل وضوح بأننا أمام دولة دينية التي أشارت إلى أن الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات تضعنا أمام المعضلات التالية:

أولاً: هل كان هدف الثورة اليمنية أن تهدم وإلى غير رجعة دولة دينية ممثلة بدولة الإمامة الكهنوتية الظلامية لتقيم مكانها دولة دينية بلباس مدني؟!.

ثانياً: صحيح أن شعبنا بنسبة 99% منه مسلمون، ولن نتوقف أمام هذا 1% تجاوزا، بل سنتمعن بمكونات هذا الشعب المسلم بمذاهبه وطوائفه الإسلامية المختلفة بين زيدية وشافعية واثنى عشرية، ألاً تفتح هذه المادة الباب واسعاً أمام تأويلات مختلفة كامنة حالياً، يمكن أن تظهر في أي منعطف سياسي لنصبح أمام أشقائنا أتباع المذهب الزيدي ليطالب بعضهم وفق هذه المادة وبتفسيرهم بأن الشريعة الإسلامية وفق هذا المذهب تحتم عليهم إقامة نظام الإمامة بشروطه المعروفة، أو أن ينادي بعض الشافعية بأن هذه المادة توجب عليهم أن يكون اليمن جزءاً من دولة الخلافة الإسلامية أو يذهب أشقاءنا الشيعة الإثني عشرية بضرورة الأخذ واتباع نظام ولاية الفقيه.

ولما كان ديننا الإسلامي الحنيف دين حياة في جوانب حياتية هامة مثل "الأحوال الشخصية والإرث" فيمكن أن نعتبر أن الشريعة الإسلامية مصدرٌ هامُ من مصادر التشريع. أما المادة (64) في النقطة (د) فهي تفتح الباب واسعاً أمام تأويلات تضعنا أمام دولة كنهوتية ديكتاتورية. فماذا لو جاءت حركة إسلامية متشددة وأصبح لها أغلبية في مجلس النواب، ألا تتحول هذه المادة في أيديهم إلى سلاح لإقصاء كل من ليس على هواهم؟! وذلك لأنها قابلة للتأويل والتفسير وغير قابلة للإثبات اليقيني!.

أما الجانب المدني من دستورنا فإنه لم يأخذ مداه الصريح، لأنه بين مادة وأخرى يمكن أن يُعترض بنص ديني هنا أو هناك يعيقه من أن يعطي مفعوله من حيث الممارسة إلى مداياته الرحبة التي تؤسس إلى تطوره لاحقاً.

ثانياً: منطلقات صياغة الدستور ومرجعيته الجمعية:

أي دستور لابد له من منطلقات أساسية تشكل مرجعية جمعية شعبية لدى صياغته، وهذه المنطلقات تختلف من دولة لأخرى حسب الظروف الخاصة لكل دولة، وفي بلادنا فإن المنطلقات الأساسية التي تنال أوسع إجماع ممكن قبل الشعب اليمني هي أهداف الثورة اليمنية ثورة 26 سبتمبر 1962م و 14 أكتوبر 1963م، وهذه الأهداف تشكل منطلقاً أساسياً صحيحاً يحكم صياغة الدستور بوصفه عقداً اجتماعياً معبراً عن هذه الأهداف، وفي هذه الحالة تصبح أهداف الثورة منطلقاً ومرجعاً للدستور، ويصبح الدستور بوصفه عقداً اجتماعياً وسيلة لتحقيق هذه الأهداف وتمهيد الطريق لتطورها اللاحق بما يخدم الشعب والوطن اليمني.

ثالثاً: شروط صياغة الدستور:

إن شروط صياغة الدستور مسألة في غاية الأهمية، ويؤدي عدم إتباعها إلى فقدان الدستور لطبيعته الثابتة أو لثباته المرن، وهذا الأمر هو الذي جعل دستورنا يحتاج إلى تعديلات كل بضع سنين لأن دستورنا صيغ وفق التحالفات السياسية بين حزبين أو أكثر كحصيلة ونتيجة لهذه التحالفات،

ولما كانت التحالفات محكومة بشكل دائم بموازين القوى القائمة بين أطرافها وموازين القوى متغيرة دائمه بفعل تغير الظروف التي تؤدي إلى تغير التحالفات ذاتها الأمر الذي يستوجب تعديلات دستورية وفق موازين القوى الناشئة وهكذا دواليك.

وهذا الأمر يجعلنا نشدد على أن صياغة الدستور لابد أن تتقيد بشروط سليمة والتي تصاغ بعد تحديد منطلقاته ومرجعيته على يد فقهاء دستوريين ليقدموا لنا دستوراً يجيب إجابات صحيحة عن أهم المعضلات والمشاكل التي تواجه الشعب والدولة، وترسم طريق التطور اللاحق وفق الجدلية التي لا تنفصم. "حاكم ومحكوم" وحينها نحصل على دستور ذي طبيعة ثابتة قدر الإمكان، ولا يحتاج لتعديلات كل بضع سنين، كما أن هذه الصياغة لابد لها أن تكون واضحة تماماً في جانب هام بين طرفي العلاقة "حاكم ومحكوم" وهل نحتاج لجمهورية رئاسية أم جمهورية برلمانية أو رئاسية برلمانية؟ وإذا حددنا بأن ما نحتاجه هو جمهورية رئاسية لابد أن نتفحص صلاحيات وسلطات الرئيس، الرئيس الإنسان أول الأمر وآخره، وليس انطلاقاً من تقييمنا للحاكم القائم الآن، بل من خلال تقييمنا للحاكم الإنسان الذي يمكن أن تأتي به السنون، وبرأينا أن صلاحيات الحاكم "الرئيس" لابد أن يكون محتواها ديمقراطي وتكون وسيلة لتحقيق نظام ديمقراطي لأن السلطات المطلقة تغري وتغوي للميل نحو الحكم الفردي المتسلط، وكما يقال فإن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

أما الجمهورية البرلمانية لابد لدى اختيارها معرفة مستوى نضج الوعي الاجتماعي لدى الشعب، وهذا الوعي هو الذي يحدد الوعي السياسي والحقوقي والاقتصادي لدى الشعب، وبالتالي لدى ممثليه، وعليه فإن شروط صياغة الدستور تستوجب أن يستند الفقهاء الدستوريين إلى مجموعة من الدراسات السياسية والاجتماعية والأبحاث المعمقة لتقدم لهم العون في جميع الجوانب الهامة والجوهرية التي يتناولها الدستور.

رابعاً: الدستور هو قانون القوانين:

التمعن في دستورنا القائم أو في تعديلاته المقترحة يكتشف أن هناك العديد من المواد تنتمي إلى القوانين التشريعية وليس للمواد الدستورية، فعلى سبيل المثال: ما الذي يدفعنا أن نحدد عدد أعضاء مجلس النواب ارتباطاً بدوائر محددة ووفق عدد السكان، وهذا التحديد "العدد" سيكون عائقاً أمام استحداث تقسيمات إدارية تقتضيها الظروف والتطورات السياسية والاقتصادية، فبدلاً من تحديد العدد يمكن القول (بأن التمثيل التشريعي يتحقق وفق انتخابات ديمقراطية نزيهة تضمن أصدق وأوسع تمثيل للناخب اليمني ونحيل "العدد" لقانون الانتخابات).

وفي التعديلات المقترحة فإن كوتة المرأة ليس مكانها الدستور، بل أيضاً قانون الانتخابات، أما الدستور يمكن أن ينص على أن "تعمل الدولة بأجهزتها المختلفة من أجل فتح الآفاق أمام المرأة من أجل تمكينها من ممارسة حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية..الخ".

كما أن الحكم المحلي وأجهزته المنتخبة لا نرى أن مكانها الدستور بل القوانين، فكيف نقيد أنفسنا دستورياً بصلاحيات للحكم المحلي، لذا يمكن أن تأتي التجربة وتثبت عدم جدواها أو فشلها، وبالتالي حتى نصحح الخطأ علينا أن نعدل الدستور مرة أخرى، ونرى أن الدستور يمكن أن ينص على أن "تعمل الدولة وهيئاتها المختلفة في توسيع صلاحيات الحكم المحلي ارتباطاً بمستوى تطور الحياة السياسية والاجتماعية للدولة وآفاق تطورها اللاحق".

أما ما هو أخطر من ذلك أن ينص الدستور على أن السلطة المحلية من حقها أن تنشئ شرطتها المحلية!.. هذه النقطة خطيرة جداً ليست من حيث كونها نقطة دستورية فقط بل ولأنها تخالف المنطق في مبادئ الحكم المحلي ومهما توسعت صلاحياته لأن الشرطة في أول الأمر وآخره جزء لا يتجزأ من قوة الأمن، والأمن والقوات المسلحة يجب أن تبقى وتضل ضمن المهام المركزية للدولة.

ووفق كل ما تقدم فإننا نرى أن حل هذه الإشكاليات النصية والمنهجية التي أشرنا إليها، وحتى نحصل على دستور دائم يحدد طبيعة وهوية دولتنا، ويكون قادراً على إعطائنا الأساس التشريعي الكفيل بقيام دولة يمنية مدنية حديثة قادرة على فتح الطريق الدستوري أمام تحقيق أهداف الثورة اليمنية والتطور اللاحق لها القائم على الاستقرار السياسي والاجتماعي، علينا أن نصيغ دستوراً جديداً يحمل صفة الديمومة ويضعه فقهاء دستوريين وفق المنطلقات والأسس المشار لها بعيداً عن التجاذبات والمساومات السياسية.

والله الموفق...

ملتقى الرقي والتقدم

صنعاء 2011م

ملاحظات منهجية حول دستور الجمهورية اليمنية وتعديلاته
مشروع قانون الصحافة والاعلام
ملاحظات منهجية حول دستور الجمهورية اليمنية وتعديلاته
مشروع تعديل قانون العـلم الوطني